يحلّل جورجي بوروسكون في دراسة بحثية معمّقة مسار عودة التقارب الروسي السوري في المجال الأمني بعد أكثر من عام على وصول أحمد الشرع إلى الحكم، مركّزًا على تحوّل العلاقة من الحذر المتبادل إلى حوار أمني منظم يسعى الطرفان عبره إلى إعادة ضبط المصالح وترتيبات الحضور العسكري، مع مراعاة توازنات إقليمية معقّدة.


تستند هذه القراءة إلى ورقة صادرة عن جامعة تل أبيب، وتتناول تطوّر التفاهمات بين موسكو ودمشق، وحدودها العملية، وانعكاساتها المحتملة على البيئة الأمنية الإقليمية، ولا سيما في جنوب سوريا، دون الدخول في تقييمات شخصية أو أحكام تتعلّق بالقيادة السورية الجديدة.

 

من الفتور إلى البراجماتية الأمنية

 

تصف الدراسة مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق بكونها فترة اتسمت بالحذر والاحتياط في العلاقات بين دمشق وموسكو. تقلّص الوجود العسكري الروسي إلى قواعد دائمة، وتراجع النشاط خارجها، ما فرض على الطرفين إعادة تقييم المصالح المتبادلة. في هذا السياق، اتجهت موسكو إلى إرسال إشارات مبكرة تؤكد رغبتها في الاستقرار والانخراط البنّاء، بينما نظرت دمشق إلى روسيا بوصفها شريكًا يمكن أن يساهم في إدارة التحديات الأمنية ضمن مقاربة عملية.


تطوّر هذا المسار تدريجيًا مع تكثيف الاتصالات بين وزارتي الدفاع والوفود العسكرية، وفتح نقاشات حول دعم إعادة تأهيل الجيش السوري، وصيانة المعدّات، ورفع الجاهزية، دون الإعلان عن خطوات تنفيذية واسعة على الأرض. يبرز في هذا الإطار إدراك متبادل لحدود الممكن، ورغبة في اختبار التعاون خطوة بخطوة.


الأمن بوابة إعادة التموضع
 

يركّز التحليل على الدور الذي لعبه الملف الأمني في إعادة التموضع الروسي. دفعت تطورات داخلية وإقليمية دمشق إلى التعامل بمرونة مع فكرة الاستفادة من الخبرة الروسية في مجالات التدريب، والدعم الفني، والتنسيق، بما يخدم الاستقرار. في المقابل، استخدمت موسكو هذا الانفتاح لتعزيز موقعها التفاوضي بشأن قواعدها الدائمة على الساحل، والسعي إلى تثبيت وضع قانوني وسياسي يضمن استمرار الحضور.

 

شهدت هذه المرحلة زيارات متبادلة على مستويات رفيعة، ونقاشات حول إعادة انتشار محدود، وتبادل آراء بشأن الجنوب السوري، وكلها جرت ضمن حسابات دقيقة تراعي مواقف أطراف أخرى فاعلة في الإقليم. يوضح الباحث أن موسكو تعاملت بواقعية مع هذه الحسابات، وأدركت أن أي خطوة ميدانية تحتاج إلى تنسيق أوسع، ما أبقى المسار في إطار التفاهمات السياسية والأمنية دون تصعيد.

 

دلالات إقليمية وحدود الدور الروسي

 

تخلص الدراسة إلى أن عودة روسيا كفاعل أمني في سوريا تظل عودة مشروطة ومقيّدة بعوامل عدّة، في مقدمتها الموارد المتاحة، والانشغال الروسي بملفات أخرى، وتعقيد المشهد الإقليمي. ترجّح الورقة أن يتركّز الدور الروسي على مجالات لا تتطلب استثمارات ضخمة، مثل الاستشارات العسكرية، والتدريب، وتطوير بعض القدرات التقنية، مع احتمال دعم محدود في مجالات الدفاع الجوي أو البحري وفق ما تسمح به الظروف.


تبيّن القراءة أن دمشق تنتهج سياسة تنويع الشراكات الخارجية، وتسعى إلى الاستفادة من قنوات متعددة، ما يحدّ من أي نفوذ أحادي. في الوقت نفسه، تحافظ موسكو على خطاب يؤكد قبولها الإقليمي، ويقدّم وجودها بوصفه عامل استقرار. ضمن هذا الإطار، يبقى مستقبل الدور الروسي مرتبطًا بقدرة الطرفين على مواءمة مصالحهما مع مواقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة.
 

خلاصات عامة


تقدّم الدراسة صورة عن مسار تدريجي لإعادة بناء شراكة أمنية روسية–سورية، تقوم على البراجماتية، وتوازن المصالح، واحترام القيود القائمة. لا تشير المعطيات إلى عودة كاملة إلى أنماط سابقة، بل إلى صيغة جديدة أكثر حذرًا، تسعى عبرها موسكو إلى الحفاظ على موطئ قدم، وتسعى دمشق إلى توظيف هذا الحضور ضمن استراتيجية أوسع للاستقرار وإدارة العلاقات الخارجية.
 

في ضوء ذلك، يرى الباحث أن المرحلة المقبلة ستُظهر مدى قدرة هذا التقارب على التحول إلى ترتيبات عملية مستدامة، أو بقائه في إطار التفاهمات المرنة التي تتكيّف مع تغيّر الظروف الإقليمية والدولية.
 

https://www.inss.org.il/wp-content/uploads/2026/01/No.-2077.pdf